الخطيب الشربيني
409
مغني المحتاج
وكيل وأراد أن لا يخصم فليعزل نفسه ، وإن لم يعلم ذلك فينبغي أن يقول : لا أعلم أني وكيل ، ولا يقول : لست بوكيل ، فيكون مكذبا لبينة قد تقوم عليه بالوكالة . ( وإذا ثبت ) عند حاكم ( مال على غائب ) وحكم به عليه ( وله مال ) حاضر وطلبه المدعى ( قضاء الحاكم منه ) لأنه حق وجب عليه وتعذر وفاؤه من جهة من عليه فقام الحاكم مقامه كما لو كان حاضرا فامتنع . تنبيه : قضية كلامه أنه يقضيه ولا يطالب بكفيل ، وهو الأصح ، لأن الأصل عدم الدفع . ( وإلا ) بأن لم يكن الغائب مال حاضر ، ( فإن سأل المدعي إنهاء الحال ) من سماع بينة أو شاهد ويمين بعد ثبوت عدالة الشاهد أو سأل إنهاء حكم ( إلى قاضي بلد الغائب أجابه ) لذلك إن علم مكان الغائب مسارعة إلى قضاء الحقوق ، ( فينهي ) إليه ( سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي المال ) ويكتب في صفة إنهائها : سمعت بينة عادلة قامت عندي بأن لفلان على فلان كذا فأحكم بها . وهو مشروط ببعد المسافة كما سيأتي . ( و ) ينهي إليه ( حكما ) إن حكم ( ليستوفي ) المال ، ويكتب في إنهاء الحكم : قامت عندي بينة عادلة على فلان لفلان بكذا وحكمت له به فاستوفى حقه ، ولان الحاجة قد تدعو لذلك ، فإن من له بينة في بلد وخصمه في بلد آخر لا يمكنه حملها إلى بلد الخصم ولا حمل الخصم إلى بلد البينة فيضيع الحق ، ولا يشترط في هذه الحالة بعد المسافة كما سيأتي . تنبيه : اعلم أن لانهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب ثلاث درجات ، الأولى : سماع البينة . والثانية : قول الحاكم ثبت عندي ، وهي تستلزم الأولى بخلاف العكس . والثالثة : الحكم بالحق ، وهو أرفع الدرجات وتستلزم ما قبلها ، وحينئذ فالذي يرتب عليه المكتوب إليه الحكم هو الثانية لا الأولى . قال ابن شهبة : فإذا تعبير المصنف ليس بمحرر . وقوله : إلى قاضي بلد الغائب يوهم أنه لا بد أن يكون المكتوب إليه معينا ، وليس مرادا ، بل يجوز أن يكتب إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين ، فمن بلغه عمل به . ولو كتب لمعين فشهد الشاهدان عند غيره قبل شهادتهما وأمضاه اعتمادا على الشهادة . وقول المصنف : سماع بينة ليحكم بها يوهم أنه لو سمع البينة ولم يعد لهم وفوض تعديلها إلى المكتوب إليه لا يجوز ، وليس مرادا ، ويوهم أنه لو ثبت الحق عنده بعلمه وكتب ليقضي له بموجب علمه على المدعى عليه أنه لا يجوز ، وبه صرح في العدة فقال : لا يجوز وإن جوزنا القضاء بالعلم ، لأنه ما لم يحكم به هو كالشاهد ، والشهادة لا تتأدى بالكتابة . وفي أمالي السرخسي جوازه . ويقضي به المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم ، لأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة ، فليكن كإخباره عن قيام البينة . قال الأسنوي : وبما قاله في العدة جزم به صاحب البحر وجرى عليه ابن المقري ، وقال البلقيني : الأصح المعتمد ما قاله السرخسي اه . وهذا هو مقتضى كلام أصل الروضة ، ولهذا قال شيخنا : ما قاله المصنف - يعني ابن المقري - عكس ما اقتضاه كلام أصله ولعله سبق قلم . ( والانهاء أن يشهد عدلين بذلك ) أي بسماع البينة خاصة ، أو بالحكم باستيفاء الحق يؤديانه عند القاضي الآخر . ولو لم يشهدهما ولكن أنشأ الحكم بحضورهما فلهما أن يشهدا عليه وإن لم يشهدهما كما يعلم مما يأتي . ( ويستحب ) مع الاشهاد ( كتاب به ) ولا يجب ، لأن الاعتماد على الشهادة ، وفائدة الكتاب ليذكر الشاهد الحال لأنه قد ينساه . ( يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه ) والمحكوم له من اسم كل منهما وكنيته وقبيلته وحليته وغير ذلك ليسهل التمييز ، ويذكر أسماء شهور الكتاب وتاريخه . تنبيه : كان الأولى أن يقول : ما يتميز به الغائب بدل المحكوم عليه ليتناول الثبوت المجرد عن الحكم . ( ويختمه ) أي الكتاب ندبا حفظا للكتابة وإكراما للمكتوب إليه ، وختم الكتاب سنة متبعة كما قاله ابن بطال شارح البخاري ، روى البخاري : أنه ( ص ) كان يرسل كتبه غير مختومة ، فامتنع بعضهم من قبولها إلا مختومة ، فاتخذ خاتما ونقش عليه محمد رسول الله . وإنما كانوا لا يقرؤون كتابا غير مختوم خوفا على كشف أسرارهم وإضاعة تدبيرهم . ويكون